مِلء كُل شيء | 0

مِلء كُل شيء | 0

فاطمة محمد

مفخرة لأحدهم .. لأنك ثابت في زمن متغير بسرعة ضوئية .. وليس لأن شهادات التقدير الخاصة بك في تزايد مستمر أو لأنك أنجزت أشياء خارقة فالمفخرة التي تأتي من هذا النوع مجرد خدعة !

أما أنا فما عادت الشهادات ولا الأرقام تعنيني .. و أنا التي أخذت .. وفزت وحصلت .. وها أنا اليوم قد أخذ وفاز وحصل الجميع على كفايتهم مني.. لا أعلم من أين تسرّب إليّ هذا الخنوع ؟ لا أعلم كيف اصبحت فريسة سهلة لليأس .. لا أعلم كيف تمكّن الإحباط من صيدي .. أنا عاجزة أمام كل شيء .. حاولت وفشلت .. الخيبة تحدق بي من كل الجهات .. لماذا سقطت بمشقّة ؟ .. لماذا لم أسقط بالسرعة التي سقطت بها تفاحة نيوتن.. هل كنت مرتفعة أصلا .. من المرجح أن هذا المكان أكثر نشوة من ارتفاعي.. مازلت أكتب .. الحمدالله .. هذا يعني أن هناك أمر ما أستطيع التحكم فيه .. يجب أن أبدأ بكتابة لائحة نكباتي بنفس الطريقة التي كتبت بها لائحة أحلامي. وهو ما لا أنوي تكراره .. أريد أن أكتب أيضا لائحة بأسماء الأشخاص الذين أصبحت علاقتي بهم رسمية ولا مجال فيها للأخذ والرد .. لأحمد الله كلما مررت بها .. لقد تغيرت .. الجميع يقول ذلك .. الجميع على حق .. لقد كنت أُصاب بالدوار كلما رأيتهم فآخذ نفسا عميقا ليهدأ روعي و دوار رأسي التعيس .. لهذا قررت الاختباء من زحامهم .

حاولت -أن أعيش وحيدة – أن أسير بجانب الحائط – أن أسخّر كل طاقتي من أجل أن أظل سعيدة في عزلتي .. لكن ما أبشعكم .. تتسربون إلى صومعتي كل حين .. وتدخل بشاعتكم إلى عالمي من وصواص الباب ومن تحته .. وترمونني بالتّهم .. فأضطر لأفتش في دفتر ذهني وقاموس حياتي لأتأكد من براءة نفسي مما نسبتموه لي .

من المسؤول عن من ؟ .. ومن يحاسب من ؟ .. من سمح لكم بذلك ؟ .. أين مدير الحياة ؟.. لطالما تساءلت ” هل يرتاح الناس بعد أن يموتوا ؟ ” وها قد علمت أنهم لن يرتاحوا طالما أن هناك آخرين يعثون فوقهم .. حتى صمتي محسوب عليهم .. اتحاشى الجميع ولا يتحاشونني.. لا طاقة لي لأي جدال ولا رغبة لي لأي حديث.. باختصار الجميع فارغ و مقفر في مكان أشد فراغا .

كنت أتساءل أيضا ” أين يذهب الأشخاص الذين أحببناهم ؟” وها أنا أعرف الإجابة ” لقد ذهبوا ليكونوا أعداء الغد ” .. و ها أنا أتساءل للمرة العشرين ” أين تذهب الأشياء التي أحببناها؟”
لا أعلم الإجابة – لكنني اعتقد أنها ذهبت لتكون طرفا ثالثا في معركة تخصنا – والحق يُقال : لقد جذبتني أشياء ركيكة في هذه الحياة – أما الأشياء الجميلة فأكاد أجزم أنني أنا من جذبتها – والآن أجد نفسي أمام فورة من الأشياء .. بصدد الاقتراب مني .. فأعاود الرحيل و انسحب من أمامها بهدوء.. اعتقادا مني أنني اخفف عن كاهلي فإذا بكاهلي يبحث عمن يخفف عنه .

في الواقع أنا أقف في نفس ارتكاز الدفع و المقاومة من أعوام .. وفي الحلم أنا دائما أركض .. لا يحزنني هذا الحلم الذي يراودني منذُ نعومة حياتي بقدر ما يحزنني أن لا أحد يستطيع اللحاق أو الإمساك بي .. أما في الحقيقة فالجميع يمر بجانبي ولم يصيبوا مني أية اهتمام .. الكل يغادرني أو أنني أنا من غادرت .. لا وفاق بيني وبين أي أحد .. أو بيني وبين ذاتي .. لا شيء مني في مكانه الصحيح .. أكثرت من اختلاق الأعذار حتى انتهت من مخزوني كل الظروف التي أختبئ خلفها.. فلم يعد بوسعي كتابة ” لظرف كذا أو كذا ” .. لقد وحدت كل اعذاري وكلماتي بجملة ” اعتذر لأسباب خاصة ” .. حتى أنا لا أعرف هذه الأسباب ..
وكالعادة أبحث عن أبعد زاوية في أي مكان أحضره .. تمنيت ومازلت أتمنى لو أن لي قدرات خارقة فأختفي حيث لا يراني أحد.. يُخيّل لي دائما أنني ما أن أدخل أي مكان فسأجد من يعرفني .. فأطلب من الله مقدما و أصلي في سري قبل أن اتجاوز عتبت المدخل ” بأن لا تحدثني إحداهن ” .. وما أن ادخل حتى تبدا صداقتي مع النوافذ التي تطل على الخارج ..فأشح ببصري اتجاه المباني والشوارع .. و أفكر من يقطن خلفها.. يا ترى من يسكن هناك .. يبدو أنه كئيب .. هل هو راض على طلاء منزله .. هل يفضل الإندومي مع البيض .. لقد أصبحت خبيرة في المباني وسكانها والشوارع التي تطل عليها ..
أعلم أن تلك خبرة رخيصة ولا فائدة ترجى منها .. ولكن ما الذي يتعين علي أن أفعله أو أن أفكر فيه .. فأصحاب البناطيل الملونة وصاحبات العباءات التي تتدلى منها النجفات يجعلون من النظر إليهم أمر مزعج.. فأرمقهم بنظرة ( هي سلاحي الوحيد ) و أرتحل تاركه لهم العالم بجميع ألوانه وزيناته .

مشاركة

5 3 أصوات
تقييمات المقال
اشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويتا
تقييمات مضمنة
عرض كل التعليقات
منيرة علي
منيرة علي
2 years ago

ما الذي يتعين علي أن افعله أو أن افكر فيه..!!!

يوماً تلوَ الآخر تثبت لك المشاهد والحماقات ان انطوائِك في صومعتك هوا طوق النجاة ..

وهل نغفل ان الرّب ينظر إلينا كأفراد مترابطة معاً !! والسؤال ؟ لما وجدنا في هذه الارض ! ماهو الذي صُنعنا من أجله؟

نحن هياكل امتلأنا بروح الرّب .. وثمرة الروح هي :” محبه ، فرح ، سلام ،((((طول أناة)))) لُطف ، صلاح ، إيمان ، وداعة، تعفف”
كيف أمتلئ بالروح ؟

عندما تنظر اليوم إلى نفسك أو إلى شخص آخر، تذكَّر أنكما ملكاً للرب، صنعكما لكي تكونا هيكلاً لروحه. وهو الذي يعطيكما قيمة، قيمته الذاتية، والتي هي مصدر قيمة كل فرد وكل جسد. فلا تخطئ للآخرين لأنهم له. ولا تخطئ لنفسك لأنك له. بل أفسح له المجال أن يستخدمك للسبب الذي خلقك من أجله.

وكُتب في جَبَنَة أيضا

بلا هوية

تأملت والدته أن يكون عوضًا عن أخيه الذي مات، طمأنها والده حين ولادته أنه روح أخيه بعثت فيه وتشكلت في عينيه وأنفه الصغيرة، في طفولته، كان لا يختلط مع أحد، وجلَّ وقته بمفرده، كانوا يطلقون النكات عليه وأنه شبيه لأمن في هدوئها ، في الفصل، كانوا لا يسمعون صوته إلا حين يُسأل سؤالًا يعجزون عنه أقرانه من الأطفال، شيدوا له  أن ذكاءه يعود لوالده لأن العرق دساس، كبر وكبر معه والده، في عزائه، بصم الأهل والأقارب، أنه لا يختلف عن والده عدى بالنظارة التي يرتديها، من حينها وفي الجمعات والمناسبات هو أبو أبيه، لم يناده أحد باسمه، في شيخوخته، وجميع أبنائه وأبنائهم الذين يحملون اسماءهم، أخبروه أنه يشبه صوره والده المعلقة بالحائط بشكل لايصدق، ولكنه، هو وحده، مصدقًا، أنه يشبه كل شيء إلا نفسه.

هل أنت جاهز للنشر ؟

نرحب في جبنة بالكتاب المبدعين.. فقط اترك ايميلك وسيتم التواصل معك قريبا بإذن الله 

لقاءات حية
تدوين
رسائل مرئية
تجارب
لقاءات حية
تدوين
رسائل مرئية
تجارب

- جميع الحقوق محفوطة لمبادرة متكأ 2021©